lundi 10 décembre 2012

لا رحم الله عامر ولا برّد ثراه


  
 لا يكره الغنانشة شيئا قدر كرههم لعامر، ولا يرد لهذا الإسم ذكر في غنوش أو في أي مكان آخر وعلى مسمع من غنوشي حر إلا وتلاه صارخا، عفويا، نابعا من الأعماق، هذا الدعاء الحار: الله لا يرحمه ولا يبرّد ثراه!.. وقد نستغرب هذا الحقد الجماعي على عامر لو كنا ممن لايعرف الجهة  وسرالغنانشة مع صاحب الإسم المذكور ويتضاعف بالتالي استغرابنا دون أدنى شك حين نكتشف أن عامر هو في الواقع جد الغنانشة الأول .. لكن حين نقف على سر الحقد الدفين الذي أورثه الجد لسلالته لا نملك غير مجاراة السلالة في هذا "البِرّ" الطريف الذي لا مثيل له بالدم والأجداد.. فنردد معهم باللسان إن لم يكن بالقلب واللسان معا: لا رحم الله عامر ولا برّد ثراه!..

حسب الأسطورة الشعبية التي يتداولها عامة الناس في قابس، عامر هذا هو بطريرك هلالي قدم من صعيد مصر ومعه عائلة كبيرة العدد إبان الزحف الهلالي على شمال إفريقيا، في منتصف القرن الحادي عشرمسيحي. وقد يكون خاض معارك شرسة في إطار السيرة الهلالية تحت راية أبي زيد وضد بنى قابس تحديدا بزعامة خليفة الزناتي. ولكنه اضطر في وقت ما، ذات خريف،  للهروب بما تبقى من أهله على متن قارب صيد، ورغم أن المسافة التي قطعها بحرا لا تتجاوز إلا بعض الأميال فإنه عانى الأمرين نتيجة العواصف أو جهله ومن معه بقيادة القوارب، بحيث أنه لما بلغ اليابسة وأرسى بالمكان الذي يحمل اليوم اسم غنوش لم يكن يتبادر لذهنه أن الأعداء الذين حاربهم بالأمس وفر من شرهم لا يفصله عنهم سوى بضع الكيلومترات..
لكن عامر وأهله هللوا وتعالت الزغاريد طويلا من حناجر النساء  لما وطأت أقدامهم الأرض الميمونة. فقد كانوا جياعا وعطاشى ومنهكين جراء ما لاقوه من مصاعب في البحر ولذا فإن سعادتهم ببلوغ اليابسة كانت أكبر من أي حساب آخر، سيما وأن الأرض التي حلوا بها كانت عامرة بالنخيل المثقل بعراجين التمر وبها عين ماء جارية وكل ما فيها يوحي بالأنس والحبور..أكلوا وشربوا ونصبوا خيامهم قبالة الشاطئ الجميل، ومع حلول الليل وطلوع القمر ارتفع صوت منهم  بالغناء..وكان الصوت جهوريا، ساحرا، والغناء شجيا لا مثيل له، لدرجة ان سكان الأحواز القريبة من شمامة وشطوطة ومطاوى طربوا له أيما طرب ومنهم من تتبع منبع الصوت مشيا على الأقدام ليصل حيث نصب عامر وأهله خيامهم حتى يتمتع على عين المكان بالغناء الصعيدي الذي وإن لم يكن مألوفا بالجهة فقد بدا في غاية السحر والجمال.
اسم غنوش حسب الأسطورة  جاء من سؤال تردد كثيرا بين القوابسية بعد هذه المناسبة الطريفة: غنوا ولاّ لا؟ وكان الجواب في كل مرة: ماغنوش! ثم مختصرا: غنوش..
أي سر لهذا الصوت الذي افتتن به كل من سمعه في تلك الليلة ثم خمد بعدها للأبد؟
لا رحم الله عامر ولا برّد ثراه!..
الأرجح للظن أنه هو الذي أخرس الصوت الذي طرب له البعيد والقريب ذات ليلة خريفية مقمرة من منتصف القرن الحادي عشر!.. وهذا غير مستبعد لأن بقية الأسطورة تؤكد أن عامر كان قاسيا، غليظ القلب، فضّا، ويندر ان يكون لفضاضته مع ذويه مثيل..

ناهيك أن بعض الروايات تقول أن لا غنوش ولا أحوازها ولا جهة قابس عموما أمطرت سماؤها طوال ما تبقى من عمر عامر! بل ثمة من يقول أن الماء في قابس فسد ليومنا هذا مذ استوطن عامر غنوش وقيل أيضا أن الحليب شح في ضرع الماعز والنوق والبقرلما لا يقل عن سبع عجاف..بل ثمة من يضيف  أن اللاقمي نفسه،  طوال المدة المذكورة، أصبح في طعمه ولونه ورائحته كبول البعير!..
ثم جاء عام -قيل أن عامر مات في نهاية صيفه-  بعد سنوات القحط الطويلة، امطرت سماء غنوش بغزارة، وعاد للاقمي قابس فوحه الأصيل واللون والطعم..ودر بعد الشح بالحليب الضرع..البعض قال: لن يعمر عامربعد هذا الغيث والخير..وفي الواقع، لم يبق لعامر غير الحقبة الكافية لتخصيب اللعنة التي ستلاحقه من نسله ليوم الدين..يحكى أنه نادى أحفاده عقب الغيث وأعطاهم كمية كبيرة من القمح والشعيرقائلا: احرثوا وازرعوا حتى تحصدوا وتدرسوا يا أبناء عامر!..
ليت عامر اكتفى بنصف الأمر ووفر على روحه الدعاء المنكور نتيجة النصف الثاني من أمره..لأن الغنانشة وإن كانوا يحبون الفلاح والفلاحة، وإحقاقا للحق هم من أطيب الناس في جهة قابس وأكثرهم حبا للعمل، لا يكرهون الترويح عن النفس ولو لساعة، سيما وأن دمع النخيل استرد في موطنهم كما لدى الجيران الفوح والطعم واللون..يروى أنهم قتلوا نخلة قبل الحرث بأيام قليلة وكانت مدرارا من فصيل البوحطم أو الذكار..وأذاقوا منها كأسا "امتفحة" لجدهم البطريرك فاستحسن عطرها وطعمها ولونها وأثرها على النفس والفؤاد.. وأوصاهم بها خيرا للأحفاد .. ولما خرجوا للحرث اشتاقوا للغناء الشجي الذي حرموا منه لسنوات عدة وصمموا على التحلل من تحريمه بعون الله ودمع النخل الميت!..
شرب أحفاد عامر وغنوا صعيديا شجيا كما لم يغن من قبل أحد..وطلبوا "كَمْيَةً" فلم يجدوا من طعام غير الحبوب المعدة للزرع فقاموا بشيها على النار وأكلها على آخر حبة، ولسان حالهم يقول: اليوم خمريا عامر وغدا أمر!..

ذهب الخريف وتلاه الشتاء وانبتت كل الأراضي المجاورة لغنوش زرعا اخضرّ وطال تسرّ لناظره العيون.. إلا أرض عامر وسلالته..فقد أنبتت شوكا ولا شيء سواه..والأكيد أن عامر بلغه ما قام به أحفاده أيام الزرع وعزم في قرارة نفسه ألا يترك هذه الدنيا إلا وصيته خالد خلود غنوش .. لذلك حبس غيضه في صدره وانتظر حتى حلول موسم الحصاد لينتقم من أحفاده شر انتقام.. إذ ناداهم  وقال لهم: احصدوا مازرعتم يا أبنائي..قيل: أنحصد الشوك يا جد؟ قال: بأيديكم، أحفادي، لا بالمناجل.. وحفاة بالأقدام ادرسوه!..
ولم يكن للغنانشة  من خيار سوى تنفيذ الأمر لأن أمر الجد البطريرك لا يحتمل العصيان أو النقاش..
تلك سيرة عامر مع سلالته، 
لا رحم الله  عامر ولا برّد ثراه!


قد يعارضني البعض بالقول: أخي، اتق الله فيما تقول، فعامر ليس بجدك حتى تنضم لصف لاعنيه!

أقول: بل هو جدي وجدكم، أبناء الزيت والزيتون!..ألم يورثكم حفيدا جعل من بلادكم وبلاد المسلمين قاطبة مزرعة للشوك؟ 
لا رحم الله عامر ولا برّد ثراه!..